Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

فاروق الباز فلاح فوق القمر


عندما يعود المرء من سفر او رحلة فعادة ما يشحن معه هدايا وكماليات واجهزة، الا فاروق الباز الذي شحن معه بعد عودته الى مصر من اميركا اربعة اطنان من الصخور ليدرِّس عليها الطلبة، فالعلم بنظره هو اساس التقدم والرقي، والانسان الذي يعمل بعزم وولاء بقدر استطاعته سينجح في حياته والاهم للنجاح عنده ان يحترم الانسان نفسه ويثق فيها ولا يأتي ذلك الا بتحصيل اكبر قدر من العلم. دخل فاروق الباز تاريخ ناسا من اوسع ابوابه، واوكلت له مهمتان رئيسيتان في اول رحلة لهبوط الانسان على سطح القمر، الاولى هي اختيار مواقع الهبوط، والثانية هي تدريب طاقم رواد الفضاء على وصف القمر بطريقة جيولوجية علمية، وجمع العينات.

اذن هو الملك الذي قاد رواد الفضاء الاميركيين الى سطح القمر ودربهم على مواقع الهبوط حتى قال احدهم في رحلة ابوللو عندما وطأت قدماه سطح القمر: «اشعر اني جئت الى هنا من قبل بعد تدريبات الملك فاروق الباز» وارشاداته لي.

عندما وطأت قدما نيل ارمسترونج سطح القمر بعث برسالة الى الارض باللغة العربية تقديرا لاستاذه الذي تولى تدريبه واصطحب معه بحسب مجلة «نصف الدنيا» ورقة مكتوبا عليها سورة الفاتحة ودعاء من فاروق الباز الى سطح القمر.

جراح مخ

لم يخطط ليصبح جيولوجيا ولم يكن يعلم ماذا تدرس كلية العلوم او قسم الجولوجيا اذ كان حلمه الاول ان يصبح طبيبا، وتحديدا جراح مخ خاصة انه كان يعشق الاحياء واثبت تفوقه فيها وكان استاذ الاحياء يقول عنه «الواد فاروق سيصبح جراحا عظيما» ليخيب آماله المجموع الذي حصل عليه الذي لم يخوله للالتحاق بكلية الطب.

الازهر الشريف

اولى الشخصيات التي تعلم منها في حياته والده الذي كان يحترم الانسان الذي يملك المعرفة، وكان يؤمن بأن العمل عبادة، ويقول اذا امضى المرء يوما دون ان يتعب في عمله فهو لم يحلل رزقه، وكان والده ـ استاذا في الازهر الشريف ـ وكان الشيخ الشعراوي رحمه الله من تلامذته ـ لكنه لم يكن يترك العمل وقت صلاة الظهر ليصلي جماعة.. بل كان يحرص على ان يلحق بالصلاة ولكن بعد انتهاء العمل، وكان يقول «ربنا سيسامحني لانه وقت الشغل وانا اتقاضى عليه راتبا.. معنى ذلك ان وقت العمل مقدس».

اثرت في حياته كثيرا والدته تلك السيدة المصرية الريفية صاحبة الذكاء الفطري التي ساعدته على اتخاذ الكثير من القرارات المصيرية في حياته، هذا الى جانب اساتذته المصريين والاميركيين والالمان، كانوا مدرسين مخلصين لا هم لهم الا ان يوصلوا لهم اكبر قدر من العلم.. وتعلم حتى من اخواته البنات ومازال حتى اليوم يتعلم من بناته وحفيداته.

هو ابن قرية طوخ وابن الشيخ الازهري من اسرة بسيطة الحال في الزقازيق وتنتمي اسرته الى مدينة السنبلاوين في محافظة الدقهلية ذهب إلى أميركا ليحصل على درجة الدكتوراه في الجيولوجيا ثم عاد الى مصر لان الهجرة لم تكن يوما ضمن مخططاته فعينه كانت دائما على مصر لكن فرص العمل اجبرته على العودة مجددا إلى الولايات المتحدة التي رجع إليها مرة أخرى.

أفضل الجيولوجيين

عندما وطأت قدماه أرض أميركا ايقن الباز ان الناس هناك لن يقبلوه او يحترموه أو حتى يمنحوه فرصة عمل جيدة إلا اذا كان احسن وافضل جيولوجييهم وهو الأمر الذي تحقق لتستقبله اميركا وتحتضنه كنابغة من نوابغ العالم التي ترعاهم دائما.

بدأت رحلته عندما تقدم خلال عام بعشرات السير الذاتية cv الى مراكز العمل، الى ان عثر صدفة على اعلان من وكالة الفضاء الاميركية (ناسا) يطلب موظفين لقسم جيولوجيا القمر. ويقول: على الرغم من أنني لم أكن أعرف شيئا عن القمر او عن ناسا أو عن الفضاء، الا انني ذهبت لاجراء المقابلة مع احد المسؤولين عن التوظيف. وشرح لي طبيعة العمل الذي يقضي بتسلم التقارير من كبار العلماء الجيولوجيين وتلخيصها وارسالها اليهم. ويضيف: وبعد حضور عدة اجتماعات كنت فيها مستمعا إلى المسؤولين الذين كانوا يتحدثون عن القمر وفوهته ومنخفضاته وجباله وسطحه وهمهم الاساسي كان يرتكز على اختيار المكان الأفضل للهبوط على سطح القمر. ويتابع: قررت أن اطلع بنفسي على تلك المعلومات من ارشيف الصور الذي التقطته مركبة لونر اوربيتر وعددها 4322 صورة استغرق جمعها وتبويبها اكثر من ثلاثة اشهر. الى ان حصلت على معلومات وافية تحدد 16 مكانا آمنا لهبوط المركبة الفضائية على سطح القمر. وعرضتها امام المسؤولين الذين بادر احدهم الى القول: ان الباز علمنا درسا كبيرا يستحق الشكر عليه. من هنا كانت نقطة التحول الكبرى في حياته المهنية حيث اصبح بنظرهم مرجعا ومستشارا في كل شأن جيولوجي وعضوا في لجنة اختيار مواقع الهبوط على القمر التي تضم مجموعة من الرواد والعلماء والمهندسين والمولجين بمشروع ابوللو قمة الاهداف الفضائية.

بناء البشر

تزعجه الطريقة التي يتعامل بها بعض المسلمين مع الدين ومبالغتهم في الاهتمام بصورة الاسلام في العالم ويتعجب حين يقابله من يفرح فرحا بالغا لان واحدا من رواد الفضاء اسلم ويقول له هذا نصر لصورة الاسلام.. ويتساءل هل الاسلام ينتظر ان يسلم هذا الرجل لكي يكون دينا جيدا.. فهو يثق في ان الاسلام دين حق ولو لم يعتنقه احد.

يتساءل عن 7000 سنة حضارة ويقول لماذا لا تظهر علينا لماذا لم نتطور وبقينا اسرى التغني بالماضي المجيد؟ مصر بنظره هي قلب العالم العربي وعندما تصاب يصاب العالم العربي كله. وتكمن المشكلة في مصر في انه منذ قيام الثورة ونحن نهتم بإقامة المؤسسات التي ستقوم الحكومة فيها بإصلاح كل شيء في البلد، حتى نظافة الشوارع أمام منازلنا لا نريد أن نتحمل مسؤوليتها.. المشكلة أن الناس بالغت في الاعتماد على الحكومة ـ استقالت من المسؤولية وألقتها بالكامل على غيرها وتفرغت للشكوى فقط معنى ذلك أننا فقدنا المسؤولية حتى مسؤوليتنا الشخصية وهذا يعني اننا صرنا نربي اولادنا على ذلك.

ينتقد اسلوب التربية الذي يقمع محولات الابناء لكي يكونوا انفسهم ويستخلص العبرة قائلا: «ركزنا على إقامة المؤسسات ونسينا بناء الفرد.. الإنسان. وهذا ما نحتاجه فعلا.. ان نبني البشر».

تراجع البحث العلمي

يتحسر على ضياع هيبة العلماء في عالمنا العربي ويعتبر ان هيبة العلم انخفضت ولم يعد هناك احترام للبحث العلمي مقابل احترام المال على حساب أي شيء آخر، فليست هناك بحوث علمية حقيقية في العالم العربي تنافس بقوة وبراءات اختراع حقيقية تلفت الانظار.. فما زال البحث العلمي بنظره حكرا على الدول الأوروبية وأميركا والدول المتقدمة وذلك بسبب حكومات لا تملك الكفاءة واغلبية صامتة لا تشارك في نهضة المجتمعات العربية نهضة حقيقية.

مصر بالنسبة إليه تملك ثروة بشرية كبرى لكن معاناتها تنصب على قلة الموارد بينما يجد العكس صحيحا في دول الخليج لتصبح النتيجة ضياع قطار القنبلة الذرية العربية بينما وصلت اليها دول مثل الهند وباكستان وايران.

الا انه يرجع الجزء الاساسي من المشكلة في عالمنا العربي الى التعليم وتدهوره فلا اصلاح عنده في اي مجال الا باصلاح حال التعليم قبل كل شيء.

رحلة النجاح

ولد في 1 من يناير 1938 وحصل على شهادة البكالوريوس (كيمياء جيولوجيا) في عام 1958 من جامعة عين شمس بمصر.

ونال شهادة الدكتوراه في عام 1964 وتخصص في الجيولوجيا الاقتصادية وشغل د.فاروق الباز منصب مدير مركز تطبيقات الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن في بوسطن بالولايات المتحدة الاميركية.

التحق بمؤسسة ايتك عام 1982 قام د.الباز بتأسيس وادارة مركز دراسات الارض والكواكب في المتحف الوطني للجو والفضاء بمعهد سميثسونيان بواشنطن، وعمل بالاضافة الى ذلك مستشارا علميا للرئيس السادات ما بين 1978 و1981 حيث كلفه بمهمة اختيار اماكن صحراوية تصلح لاقامة مشروعات عمرانية جديدة، وقد شرح بطريقة علمية دقيقة كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية لبلده مصر، ودعا الى اهمية دراسة المياه الجوفية، والتي يهدر منها الكثير في البحار والمحيطات دون استخدام، وطبق التكنولوجيا الفضائية لدراستها ودراسة مسارات البحيرات الناضبة.

منذ عام 1967 الى عام 1972 عمل بمعامل بل بواشنطن كمشرف على التخطيط للدراسات القمرية واستكشاف سطح القمر.

ودرس د.الباز 4322 صورة للقمر على مدار ثلاثة اشهر كاملة وتوصل الى معلومات متميزة ليكتشف ان هناك ما يقرب من 16 مكانا يصلح للهبوط فوق القمر، وفي المؤتمر الذي حضره عرض ما توصل اليه ليذهل الحاضرين حتى ان احدهم قال: اكتشفت الآن اننا كنا لا نعرف شيئا عن القمر.

كما اشترك الباز في تقييم برنامج الوكالة الوطنية للطيران والفضاء (ناسا) للرحلات المدارية للقمر، بالاضافة الى عضويته في المجموعات العلمية لاعداد رحلات ابوللو على سطح القمر، وشغل منصب سكرتير لجنة اختيار مواقع هبوط سفن برنامج ابوللو على سطح القمر، ورئيسا لفريق تدريبات رواد الفضاء في العلوم عامة وتصوير القمر خصوصا، ومنصب رئيس ابحاث التجارب الخاصة بالمراقبات الارضية من الفضاء والتصوير وذلك في مشروع الرحلة الفضائية المشتركة ابوللو ـ سويوز في عام 1975، كما قام د.الباز بتدريس علم الجيولوجيا في جامعات اسيوط بمصر من عام 1958 إلى 1960 وميزوري بأميركا من عام 1963 الى 1964 وهايدلبرج في المانيا من عام 1964 – 1965، وفي عام 1986 انضم الى جامعة بوسطن وطور نظام استخدام الاستشعار عن بعد في اكتشاف بعد الآثار المصرية.

مؤلفات عديدة

كتب د.الباز 12 كتابا، منها «ابوللو فوق القمر» الصحراء والاراضي الجافة، «حرب الخليج والبيئة» «اطلس لصور الاقمار الصناعية للكويت»، ويشارك في المجلس الاستشاري لعدة مجلات علمية عالمية، كتب مقالات عديدة، وتمت لقاءات كثيرة عن قصة حياته وصلت الى الاربعين منها، «النجوم المصرية في السماء»، «من الاهرام الى القمر»، «الفتى الفلاح فوق القمر» وغيرها.

انتخب د.الباز كعضو، او مبعوث او رئيس لما يقرب من 40 من المعاهد والمجالس واللجان، منها انتخابه مبعوثا لاكاديمية العالم الثالث للعلوم twas عام 1985، واصبح من مجلسها الاستشاري عام 1997، وعضوا في مجلس العلوم والتكنولوجيا الفضائية ورئيسا لمؤسسة الحفاظ على الآثار المصرية، وعضوا في المركز الدولي للفيزياء الاكاديمية في اليونسكو.

واختير مبعوثا للاكاديمية الافريقية للعلوم، زميل الاكاديمية الاسلامية للعلوم بباكستان، وعضوا مؤسسا في الاكاديمية العربية للعلوم بلبنان، ورئيسا للجمعية العربية لابحاث الصحراء.

حصل د.الباز على ما يقرب من 31 جائزة، منها: جائزة انجاز ابوللو، الميدالية المميزة للعلوم، جائزة تدريب فريق العمل من ناسا، جائزة فريق علم القمريات، جائزة فريق العمل في مشروع ابوللو الاميركي ـ السوفييتي، جائزة ميريت من الدرجة الاولى من الرئيس انور السادات، جائزة الباب الذهبي من المعهد الدولي في بوسطن، الابن المميز من محافظة الدقهلية، وقد سميت مدرسته الابتدائية باسمه، وهو ضمن مجلس امناء الجمعية الجيولوجية في اميركا، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مجلس العلاقات المصرية ـ الاميركية، وقد انشأت الجمعية الجيولوجية في اميركا جائزة سنوية باسمه اطلق عليها جائزة فاروق الباز لابحاث الصحراء.

كما تبلغ اوراقه العلمية المنشورة ما يقرب من 540 ورقة علمية، سواء قام بها وحيدا او بمشاركة اخرين، ويشرف على العديد من رسائل الدكتوراه.

الأهرام وأبوالهول هبة الصحراء

كتب المؤرخ الإغريقي هيرودوت في 450 قبل الميلاد ان «مصر هبة النيل» لكن د.فاروق الباز مدير مركز ابحاث الفضاء في جامعة بوسطن يضيف ان «الاهرام وابوالهول» هبة الصحراء.

وتدل نتائج ابحاث د.الباز على ان الاهرام وابوالهول بنيت على غرار اشكال طبيعية في الصحراء الغربية في مصر، ويرى ان الفكر في هذه الاشكال وصل الى وادي النيل مع اناس عاشوا في شمال افريقيا قبل ان يطاردهم قحط شديد منذ 5000 عام، ولذلك لعبوا دورا جوهريا في نشأة الحضارة المصرية القديمة.

ويوضح د.الباز في بحث نشر في مجلة «الآثار» الاميركية ان التفاعل والتلاحم والتزاوج بين فلاحي ضفاف النيل وبدو الصحراء الكبرى اشعلت شرارة الحضارة في مصر القديمة وكانت سببا في تخليد آثارها، فمع ان الاراضي الواقعة غرب نهر النيل تعتبر اكثر مناطق العالم جفافا في الوقت الحاضر، لكنها تمتعت بمناخ ممطر معتدل في الماضي ودورات مناخية ممطرة تلتها احقاب جافة طوال 300.000 عام مضت واستمرت آخر حقبة ممطرة من 11.000 إلى 5.000 سنة في الماضي، اثبت ذلك الكشف عن العديد من مسارات الأنهار القديمة التي أوضحتها صور الرادارات من الفضاء حيث ان موجات الرادار تستطيع اختراق الرمال وتوضيح ما يوجد تحتها من التضاريس حيث اوضحت الاودية الجافة التي كانت تسري فيها مياه الانهار في قديم الزمن، كذلك تزخر المنطقة ببقايا النباتات وقشر بيض النعام والادوات الحجرية التي استخدمها انسان ما قبل التاريخ.

ويشير د.الباز إلى ان الجفاف الذي تتصف به اراضي غرب النيل بدأ منذ 5.000 عام تزامن مع انبعاث الحضارة المصرية القديمة ويرجح ان هجرة البدو من الاراضي القاحلة الى وادي النيل ومزج ثقافتهم مع من عاشوا على ضفافه كانت عوامل اساسية في ازدهار اولى حضارات العالم.

أطلس الكويت

رائد علوم الصحراء في العالم أصدر بالاشتراك مع مجموعة متخصصة من العلميين الكويتيين وبطلب من مدير عام مؤسسة الكويت للتقدم العلمي د.علي الشملان، اطلس الكويت والذي جاء نتيجة دراسة 4 سنوات للآثار البيئية لحرب تحرير الكويت عبر استخدام الصور الفضائية عن طريق الأقمار الصناعية الدولية.

وكشفت دراسة الاطلس عن تضاريس مهمة لم تكن معروفة عند العلماء من قبل واشتمل على تقسيم جغرافية الكويت بتحديد صفات المناطق الكويتية المختلفة إضافة إلى المنطقة الساحلية والجزر الكويتية، موضحا احتواء الاطلسي ايضا على قوائم بمصادر المعلومات ومصادر الصور، اضافة الى كشف بالعلماء الذين شاركوا في كتابة المعلومات العلمية الدقيقة في كل من جامعة الكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية ووزارة النفط ومؤسسات اخرى.

كما توصل الى ان الكويت تعتبر دلتا لنهر قديم وبطريقة جيولوجية علمية تؤكد أن الأرض الكويتية عبارة عن مسار جاف لهذا النهر الواصل بين جبال الحجاز ويسير في مجرى في غرب الجزيرة العربية ويستمر حتى المنطقة الشرقية ووادي الباطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *