نيكولا حايك المنقذ المشاغب


ملك صـناعة الـسـاعات في سـويسرا ومنـقذها والرائد القدير الذي فعل ما عجز عنه أبنـاؤها حـيث أخرجها من نخـبويتها وأتاحها للأغلبـية وأنقذ عالم السـاعات السـويسـرية العـريقة من الإفلاس فأسس مجموعة «سواتش» لتضم أرقى الماركات العالمية.

يفتخر بأنه سويسري حتى النخاع، ورغم ان أصوله لبنانية الا ان أكثر ما يستفزه سؤاله عن لبنان حيث يعتبره ليس بلده بل ويتجاهل أصله اللبناني ويجاهر علنا بالقول: «لا أشتاق الى لبنان الذي غادرته شابا صغيرا».

رفض زيارة لبنان

عرض عليه الرئيس السويسري مرافقته الى وطنه الأم لبنان في احدى المرات فرفض رفضا قاطعا، ثم تلقى دعوة من الجامعة الأميركية في بيروت بعد ترشيحه لدكتوراه فخرية الا انه لم يلب الدعوة ورفضها أيضا مبررا الأمر بأن الجميع سيحتفي به وان الدعوات ستنهال عليه من كل حدب وصوب وهو الأمر الذي لا يميل اليه مطلقا لكرهه للمظاهر والمجاملات التي يتجنبها قدر الامكان.

عندما سأله احد الاعلاميين عن جذوره العربية اللبنانية انتفض قائلا: لا أعرف اذا كان المسيحيون اللبنانيون الذين يتحدثون اللهجة اللبنانية نستطيع اعتبارهم عربا؟! فحاول في بداية طريقه ترك الالتباس عند الناس الذين خلطوا بين عائلة «حايك» اللبنانية، وعائلة «هايك» الألمانية حيث تكتب حايك بالأجنبية بحرف الـ h التي تصبح «هـ».

اعتبر ان ما يربطه بلبنان هو انه يتناول يوميا في الصباح زيتا وزعترا ولبنة زيت فقط، وذلك اثناء سؤال المذيع اللبناني ريكاردو كرم عما يربطه بلبنان.

الساعات والصواريخ

يتجنب التحدث بالعربية ويعتبر انه لم يتعلم هذه اللغة لا قراءة ولا كتابة الا انه يدافع عن كل ما هو عربي في المحافل العالمية، ويدلل على صدقية الأمر بحادثة جرت معه وهي انه قبل دخول جورج بوش العراق واعلان سويسرا الحياد، كانت احدى شركاته توفر لأميركا نوعا من الكوارتز يستعمل في صنع الساعات الالكترونية، وكانت هي تستعمله في صناعة الأسلحة الذكية «صواريخ سمارت» يمكن ان تصيب الهدف بدقة عالية، لكن ما ان سمع بالخبر حتى سارع الى توقيف اي تعاون مع الشركة الأميركية، عندها أقامت واشنطن الدنيا وأقعدتها، فقد اتصلوا بسفير سويسرا هناك، لكنه رد عليها بأن سويسرا ليست هي المسؤولة بل نيكولا حايك لأنه لا يحب الحروب.

بعد هذه الحادثة حاول سيناتور من ولاية كاليفورنيا ان يصدر قانونا اطلق عليه اسم «قانون حايك» ينص على منع استيراد أي أسلحة أو أجزاء أسلحة من دول الخارج، طبعا الحكومة الأميركية كانت ضد هذا القانون، لأنه كانت تربطها علاقات قوية بشركات فرنسية وألمانية كبيرة، المهم انه استمر متشبثا بموقفه ورفض رفضا قاطعا بيعهم اي جزئية.

وفسخ العقد معهم مع انه كان يقدر بالملايين، لكن ما حققه من ربح معنوي لا يقدر بثمن عندما قابل النجم جورج كلوني في احدى المناسبات قال له: «أحسنت يا نيكولا، لقد كان موقفك صحيحا».

الخيول العربية

يرفض القول انه يعمل بل يستمتع من 8 الى 14 ساعة عمل في اليوم ولا يتقيد بنظام معين، عاشق للحياة، يهوى ممارسة الرياضة والاستماع للموسيقى وتربية الخيول العربية.

يعتز بمحبة الشعب السويسري له، ليس فقط كونه انقذ صناعة الساعات السويسرية بل كونه رجلا يحفز الآخرين على الخلق والابداع ويشجع المؤسسات على الاستثمار في صناعة الساعات لتحقيق الربح لهم، ويشعر بأنه نجم بين احبائه، ويعتبر ان من يخافه لا يتعدون الـ 27 شخصا وهم: فئة كسولة ليس لديها الصبر او القدرة على تأسيس معاملهم الخاصة بإنتاج مكونات الحركة لصناعة ساعاتهم، لكنهم في المقابل مستعدون لصناعة ساعات بأسمائهم وشراء كل هذه المكونات مني.

هذه الفئة بنظره تتكون من دخلاء على المهنة، فئة تعتقد انها تستطيع دخول وامتهان صناعة الساعات في سويسرا وتحقيق الربح بسهولة، انهم لا يحبون المنتج نفسه، لان دافعهم الوحيد هو الربح السريع، وبالتالي فإنه لا يعطيهم هذه المكونات والقطع لاعتقاده بوجوب صناعتها بانفسهم.

مجموعة سواتش

الجانب التجاري اساسي عنده واي خطوة يقدم عليها يجب ان تستوفي كامل الشروط فهو يرى ان مجموعة سواتش صاحبة حظوة كبيرة في الولايات المتحدة وآسيا، وصاحبة مبيعات جيدة في الهند والشرق الاوسط وكذلك في الصين التي تبرعت مجموعة لها بـ 8 ملايين دولار اثناء تعرضها لاحد الزلازل.

يؤمن بالمثل القائل ان النجاح يمكن ان يختفي مثل الضجيج اوالدخان، فلم يغيره النجاح ورغم كل انجازاته برأيه النجاح والفشل يمكن ان يكونا على موعد مع أي شخص في اي لحظة.

لا تسعده صحبة رؤساء العالم بقدر ما تسعده صحبة الناس الذين يعمل معهم بشكل يومي، ويعتقد بأن الفشل مؤقت واحيانا يكون الشرارة التي تشغل امورا ايجابية عديدة.

اخطاء وعثرات

لا تخلو سيرته من اخطاء وعثرات مرت في حياته ويعتبر ان اكبر خطأ قام به هو عندما تسرع في التعامل مع شركة مرسيدس بنز للسيارات بعد انسحاب فولكس واجن من مشروع «سواتشموبيل» الذي كان ينوي من خلاله صنع سيارة بمقاييس بيئية حيث كان يعرف في قرارة نفسه ان شركة مرسيدس لن تتمكن من صنع سيارة تجمع بين ما تعودوا عليه من جودة عالية وبأسعار متيسرة للعامة ومغرية، كما ان توقيت طرح سيارة تراعي متطلبات البيئة لم يكن مناسبا بالنسبة لهم. ويعترف بأنه تسرع في هذه الحالة وكان عليه ان يتحلى بالصبر الى ان يجد شريكا مناسبا. عرف بالمنقذ في سويسرا وبالطفل المشاغب للصناعة السويسرية حيث دخل حقل صناعة الساعات بعدما طلب عدد من المصرفيين السويسريين منه الاشراف على تصفية شركتي «اسواغ» و«اس اس اي اتش» الكبيرتين لصناعة الساعات اللتين واجهتا مرحلة صعبة نتيجة هجمة الصانعين اليابانيين في عقد السبعينيات نتيجة ما يسمى بثورة الكوارتز، ويقول عن تلك المرحلة: كانت صناعة الساعات السويسرية قد بدأت تتراجع بشكل كبير في بداية الثمانينيات بسبب دخول اليابان مجال صناعة ساعات الكوارتز الالكترونية، التي اغرقوا بها الاسواق تحت شعار «ساعاتنا اكثر دقة من الساعات السويسرية» وكان هذا حقيقة لان الحركة الالكترونية توفر دقة اكبر من الحركة الميكانيكية، وبالتالي حقق الشعار نجاحا كبيرا في العالم كله وهز الصناعة السويسرية التي لم تعرف كيف تواجه هذا التحدي، مما ادى الى اغلاق الكثير من المعامل وبيع بعض الماركات، وتعرض مئات العاملين فيها للبطالة. ويتابع في لقاء أجرته معه مجلة «الرجل» قائلا: بعدها تعاونت مع رجلي اعمال كانا مثلي متحمسين لهذه الصناعة، وخضنا تجربة مهمة بأن صنعنا ثلاث ساعات كتبنا على الاولى «صنعت في سويسرا» وطرحناها بسعر 107 دولارات اميركية، وكتبنا على الثانية «صنعت في اليابان» وكانت بسعر 100 دولار، اما الثالثة فكتبنا عليها «صنعت في هونغ كونغ» وكانت بسعر 93 دولارا. وبعد فترة راجعنا مبيعات كل الاسواق العالمية، وكانت النتيجة ان التي صنعت في سويسرا حققت في ايطاليا نسبة 99.9%من المبيعات، وفي اوروبا نسبة 85%، وفي بريطانيا 72%، وفي نيويورك 63%،ولم تحقق التي كتب عليها انها صنعت في اليابان نتيجة مماثلة سوى في اليابان، وهذا اكد لنا ان الصناعة السويسرية هي المرغوبة في العالم، نظرا لجودتها، ومن هنا ولدت فكرة ساعات «سواتش» لإيقاف الزحف الياباني. في البداية لم يتم تقبل الامر بسهولة حيث أحجم الجميع عن بيعها كونها ماركة غير معروفة كما انها لم تبد انيقة وجذابة مقارنة بالساعات الكلاسيكية، وتلقى انتقادات عديدة ابرزها القول له «بهذا تنوي انقاذ صناعة الساعات السويسرية؟!»، ليبدأ بعدها استراتيجية مختلفة، وتسويقا ذكيا اوصلاه ليكون رجل الساعات الابرز في العالم.

رحلة الحياة

يتحدر حايك الذي ولد عام 1928 من منطقة الكورة شمال لبنان حيث كان ابوه طبيب اسنان ويعتبر ان عائلته كانت من الطبقة المرفهة.

وفي عام 1949 بدأ مسيرته المهنية متدربا في شركة لإعادة التأمين في زيوريخ السويسرية، وفي العام نفسه تزوج من ابنة صاحب شركة تصنع مكابح للقطارات، بعد فترة قليلة، اصيب والد زوجته ادوارد ميزيغر بجلطة دماغية، فطلبت العائلة من حايك إدارة المصنع، فحقق نجاحا لا بأس به في إدارة مصنع قديم، لكنه تخلى عن المنصب عندما شفي والد زوجته من الجلطة في عام 1957. وفي عام 1963 وبعد ان اختبر قدرته في إعادة هيكلة شركات قديمة، اسس حايك شركة حايك للصناعة ومقرها زيوريخ وظف فيها 250 شخصا من كبار الخبراء والمستشارين في جميع القطاعات مثل صناعة الحديد والسيارات والساعات الى انظمة الاتصالات وقطاع التكنولوجيا والتقنيات الحديثة وبدأت شركته الشابة في تسلم مشاريع لدراسة جدواها وتضع خريطة التخطيط الاستراتيجي لها، كما تقدم استشارات التسويق وإعادة الهيكلة والتنظيم الإداري والمالي. وخلال 20 عاما، ذاع صيت حايك في العالم مع لائحة زبائن من الوزن الثقيل مثل فولكس واجن، يو اس ستيل، سيمنز، اي اف جي تيليفنكن، البنك الدولي، نستله، الفا روميو، وبي ام دبليو، وساعد مقر الشركة على تسويقها في دول اخرى، اذ تعتبر سويسرا دولة عالمية وفي البلد نفسه نجح حايك في تنفيذ مشاريع عدة مع القطاعين العام والخاص، فأنجز مثلا هيكلة للإذاعة والتلفزيون السويسريين، وسكك الحديد وجامعة بازل، ومشروع البرلمان للجامعات الفيدرالية للتكنولوجيا.

سواتش ومشاهير العالم

اطلق عام 1983 ساعة سواتش الناجحة والرخيصة الثمن التي واجه بها الغزو الياباني للسوق، كما دمج شركتي «أسواغ» و«اس اس اي اتش» بشركة واحدة تحت سيطرته، بحلول عام 98 تحولت شركة السويسرية للميكروالكترونيات والساعات «ام اس اتش» الى مجموعة سواتش التي تمتلك عددا من اشهر الماركات العالمية ابرزها اوميغا ولونجين ورادو وبلانبان وغلاسهوته اوريجينال. ووقع اختيار ماركات الساعات التابعة لسواتش على المشاهير العالميين كجورج كلوني ونيكول كيدمان وسندي كراوفورد وبيرس بروسنان ومايكل شوماخر كسفراء لساعات اوميغا ومايكل اوين لساعات تيسو واشواريا راي لساعات لونجين. ونال حايك على إنجازاته شهادتي دكتوراه فخريتين من جامعة نيوشاتل (سويسرا) وجامعة بولونيا (إيطاليا).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *